القاضي عبد الجبار الهمذاني
298
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فما الّذي يمنع من أن نأمر كل فريق من أمته أن يختاروا من يختص بتلك الشرائط ؟ وهلا حل ذلك محل قبوله عليه السلام شهادة من عرف صفته ؟ إنه لا يفرق بينه وبين أن يأمر الحكام بقبول شهادة من هذا حاله على الظاهر ، على أن أكبر العبادات هذا حالها ؛ لأن أحدنا إذا اختار الصلاة في بقعة فقد علم أنه عليه السلام لم ينص عليها بعينها ، وإنما نعلم صحتها باختياره لما له صفة مخصوصة قد دل الشرع عليه ، فكذلك القول في الإمامة ، وإنما يجب أن يتبع في ذلك السمع . وقد دللنا على ذلك بإجماعهم على بيعة الأربعة ؛ لأن كل ذلك جرى باختيار من جماعة مخصوصة على ما تقدم القول به . شبهة أخرى لهم قالوا : لو جاز في الإمام أن يصير إماما باختيار ، لجاز مثل ذلك في النبي والرسول . وبطلان ذلك يبين أن طريقه النص ؛ وهذا بعيد لأن المعتبر بالعلم « 1 » ، وليست علة الرسول قائمة في الإمام فلا يصح قياسه عليه . ولا فرق بين من قاس الإمام على الرسول وبين من قاس الأمير والحاكم وسائر من يستعان به في باب الدين على النبي صلى اللّه عليه ، وفساد ذلك يبين بطلان ما اعتلوا به . وإنما قلنا في الرسول ذلك ؛ لأنه حجة فيما يؤديه فلا بد من طريق يعلم به أنه صادق في الرسالة ، والاختيار لا يصح أن يتطرق به إلى ذلك ، وليس كذلك الحال في الإمام ؛ لأنه منفذ في الأحكام والأمور « 2 » ، فهو كالأمير في جواز اختياره بعد تقدم الدلالة على صفاته وشرطه . وبعد فإن الرسول لو اخترناه لكان اختياره من دون أمارة متقدمة ، وقد يتنافى « 3 »
--> ( 1 ) كذا في الأصل ولعلها ( العلة ) . ( 2 ) بعد هذه الكلمة ما يشبه أن يكون أصل كلمة لم يبق منها إلا أثر ضئيل . ( 3 ) كذا في الأصل .